"
شاعر مبدع ، لأنه عرف معنى الإبداع دون أن يرمي من ورائه إلى الوصول ،
وجد له من المحبين والمستمتعين بشعره أكثر مما كان يتوقع عرفوه ولم يعرفهم ،
استمتعوا بفنه وهو لا يزال يعيش حياته الطبيعية دون أن يقدم له شيء كثيرون
عاشوا على أدبه ولم ينل هو من ذلك شيء ، لم يستطع محبوه إنصافه أما غيرهم
فقد غمطوه حقه"
أحمد بن ناصر الرازحي تعرفت عليه من خلال "يداها" :
مثلما يبتدىء البيت المقفّى رحلة غيميّة تبدو وتخفى
مثلما يلمس منقار السنى سحرا أرعش عينيه وأغفى
هكذا أحسّو يديك إصبعا إصبعا أطمع لو جاوزن ألفا
مثل عنقودين أعيّا المجنى أيّ حبّاتها أحلى وأصفى
هذه أملى ، وأطرى أختها تلك أشهى ، هذه للقلب أشفى
هذه أخصب نضجا إني ضعت بين العشر لا أملك وصفا
حلوة تغري بأحلى ، كما هتفت : كلي وصدت وهي لهفى
تلك أصبى ، تلك أنقى إنما لم أفكر أن في البستان أجفى
أنت من أين ؟ ـ كتبظي وتر ودنت شيئا ـ أنا من كلّ منفى
صمتت بعد سؤال قرأت من صداه … قصّتي حرفا فحرفا
وقبل أن نبحر معه .. كان له رسالة لقارئه .. جاءت في "ياقارئي" :
من القبر من حشرجات التراب على الجمر من مهرجان الذباب
و من حيث كان يدقّ القطيع طبول الصلاة أمام الذئاب
و يهوي كما يرتمي في الصخور قتيل على كتفيه ... مصاب
و من حيث كانت كؤوس الجراح تزغرد بين شفاه الحراب
و من حيث يحسو حنين الربى غبار المنى و نجيع السراب
و من حيث يتلو السؤال السؤال و يبتلع الذعر وهم الجواب
عزفت اصفرار الرماد العجوز ليحمرّ فيه طفور الشباب
و حرّقت أنفاسي المطفئات و أطفأتها بالحريق المذاب
أتشتمّ يا قارئي في غناي دخان المغنّي و شهق الرباب ؟
و تسمع فيه أنين الضياع تبعثره عاصفات الضباب
فإنّ حروفي اختلاج السهول و شوق السواقي ، و خفق الهضاب
و شوق الرحيق بصدر الكروم إلى الكأس و الثلج في كلّ باب
و خوف المودّع غيب النوى و سهد المنى في انتظار الإياب
أنا من غزلت انتحار الحياة هنا شفقا من زفير العذاب
و لحّنته سحرا يحتسي رؤى الفجر بين ذراعي كتاب
و تنبض فيه عروق السكون و يمتدّ في ثلجة الالتهاب
و يتّقد الشوق في مقلتيه و يظمأ في شفتيه العتاب
إن من لم أجد حرفا يعطي شعره حقه في عذوبته وجماله .. ورقته .. إنه الشاعر اليمني / عبدالله البردوني
فهو /
شاعر ثوري عنيف في ثورته، جريء في مواجهته، يمثل الخصائص
التي امتاز بها شعر اليمن المعاصر ،، والمحافظ في الوقت نفسه على
كيان القصيدة العربية كما أبدعتها عبقرية السلف، وكانت تجربته الإبداعية
أكبر من كل الصيغ والأشكال ...
ولد عام 1348هـ 1929 م في قرية البردون (اليمن)
أصيب بالعمى في السادسة من عمره بسبب الجدري ، درس في مدارس ذمار لمدة
عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم وتخرج فيها
عام 1953م.
ثم عُين أستاذا للآداب العربية في المدرسة ذاتها ... وعمل مسؤولاً
عن البرامج في الإذاعة اليمنية.
أدخل السجن في عهد الإمام أحمد حميد الدين وصور ذلك في قصائده
فكانوا أربعة في واحد حسب تعبيره ، العمى والقيد والجرح ,,
وجاء على ذكرها في /
هدني السجن وأدمى القيد ساقي فتعاييت بجرحي ووثاقي
وأضعت الخطو في شوك الدجى والعمى والقيد والجرح رفاقي
في سبيل الفجر ما لا قيت في رحلة التيه وما سوف ألقي
سوف يفنى كل قيد وقوى كل سفاح وعطر الجرح باق
شاعر اليمن وشاعر .. منتم الى كوكبة من الشعراء الذين مثلت رؤاهم الجمالية
حبل خلاص لا لشعوبهم فقط بل لأمتهم أيضا‚ عاش حياته مناضلا ضد الرجعية
والدكتاتورية وكافة اشكال القهر ببصيرة الثوري الذي يريد وطنه والعالم كما
ينبغي ان يكونا‚ وبدأب المثقف الجذري الذي ربط مصيره الشخصي بمستقبل
الوطن‚ فأحب وطنه بطريقته الخاصة‚ رافضا أن يعلمه أحد كيف يحب‚ لم يكن
يرى الوجوه فلا يعرف إذا غضب منه الغاضبون‚ لذلك كانوا يتميزون في حضرته
غيظا وهو يرشقهم بعباراته الساخرة‚ لسان حاله يقول:
كيف لأحد أن يفهم حبا من نوع خاص حب من لم ير لمن لا يرى ..
هو شاعر حديث سرعان ما تخلص من أصوات الآخرين وصفا صوته عذبا‚
شعره فيه تجديد وتجاوز للتقليد في لغته وبنيته وموضوعاته حتى قيل‚ هناك شعر
تقليدي وشعر حديث وهناك شعر البردوني‚ أحب الناس وخص بحبه أهل اليمن‚
وهو صاحب نظرة صوفية في حبهم ومعاشرتهم إذ يحرص على لقائهم بشوشا
طاويا ما في قلبه من ألم ومعاناة ويذهب الى عزلته ذاهلا مذعورا قلقا من كل شيء .
تناسى الشاعر نفسه وهمومه وحمل هموم الناس دخل البردوني بفكره المستقل الى
الساحة السياسية اليمنية‚ وهو المسجون في بداياته بسبب شعره والمُبعد عن
منصب مدير إذاعة صنعاء‚ والمجاهر بآرائه عارفا ما ستسبب له من متاعب ...
في عام 1982 أصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورته كمعاق تجاوز
العجز‚ ترك البردوني دراسات كثيرة‚ وأعمالا لم تنشر بعد أهمها السيرة الذاتية..
له عشرة دواوين شعرية، وست دراسات. . صدرت دراسته الأولى عام 1972م
"رحلة في الشعر قديمه وحديثه" .
أما دواوينه فهي على التوالي:
- من أرض بلقيس 1961 -
- في طريق الفجر 1967 -
- مدينة الغد 1970
- لعيني أم بلقيس 1973
- السفر إلى الأيام الخضر 1974
- وجوه دخانية في مرايا الليل 1977 -
- زمان بلا نوعية 1979
- ترجمة رملية لأعراس الغبار 1983
- كائنات الشوق الاخر 1986 -
- رواء المصابيح 1989
في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين 30 أغسطس 1999م
وفي آخر سفرات الشاعر الى الأردن للعلاج توقف قلبه عن الخفقان
بعد ان خلد اسمه كواحد من شعراء العربية في القرن العشرين ..
ربما اختصر الكثير من حياته في هذه الكلمات ..
لكن حسبنا أن ماسينقل لنا الجمال وضده اللذان عاشهما هو أبيات سنسوقها هنا ..
إليكم مقطوعة أولى .. كمدخل على شعره ..
"عروس الحزن "
منزلها الكبير بجوار الصغير ، و قد لفني و إياها عاطف
الحنان و الحنين فتلاقينا على بعد .
تظل تغني ، و أظل أصغي إلى أغانيها ، و صوتها يتعثر في دمعها ،
ودمعها يتحشرج في صوتها ، و في نغماتها تتحاضن الدموع و الترنم ..
صوتها دمع و أنغام صبايا و ابتسامات و أنّات عرايا
كلّما غنّت جرى من فمها جدول من أغنيات و شكايا
أهي تبكي أم تغنّي أم لها نغم الطير و آهات البرايا ؟
صوتها يبكي و يشدو آه ما ذا وراء الصوت ما خلف الطوايا ؟
هل لها قلب سعيد و لها غيره قلب شقيّ في الرزايا ؟
أم لها روحان : روح سابح في الفضا الأعلى وروح في الدنايا ؟
أم تلاقت في حنايا صدرها صلوات و شياطين خطايا ؟
أن تناجت في طوايا نفسها لحن عرس و جراحات ضحايا ؟
لست أدري . صوتها يحرقني بشجوني إنّه يدمي بكايا
كلّما طاف بسمعي صوتها هزّ في الأعماق أوتار شجايا
و سرى في خاطري مرتعشا رعشة الطيف بأجغان العشا
أترى الحزن الذي في شجوها رقّة الحرمان أم لطف السحابا
أم تراها هدّجت في صوتها قطع القلب و أشلاء الحنايا
كلّما غنّت .. بكت نغمتها و تهاوى القلب في الآه شظايا
هكذا غنّت ، و أصغيت لها و تحمّلت شقاها و شقايا
يا عروس الحزن ما شكواك من أيّ أحزان و من أيّ البلايا
ما الذي أشقاك يا حسنا ؟ و هل للشقا كالناس عمر و منايا ؟
هل يموت الشر ؟ هل للخير في زحمة الشر سمات و مزايا ؟
كيف تعطي أمّنا الدنيا المنى و هي تطوي عن أمانينا العطايا
و لقوم تحمل البذل كما يحمل إلى الحسنا الهدايا
هل هي الدنيا التي تحرمني أم تراخت عن عطاياها يدايا ؟
أنا حرماني و شكوى فاقتي أنا آلامي و دمعي و أسايا
لم يرع قلبي سوى قلبي أنا لا ولا غذّبني شيء سوايا !
جارتي ، ما أضيق الدنيا إذا لم تشقّ النفس في النفس زوايا