القدس
ما بكِ أراكِ يا قدس تبكينَ حزناً ....تنزفين دما ؟
ما بكِ يا غاليتي ومهجة قلبي .....تتأوهين وصدى آهاتك يعبر أنفاسي بقليل من الهواء ؟
أراكِ ساخنةْ الملمس ....ألمس جبهتك بشفاهي .....تكادُ تَحترق من حرارتك... أي مرض أحلَ بكِ يا أُمنا الغالية والباقية ....إلى أن تَرج الأرض رجا وتُبس الجبال بسا
وتكونْ هباءاً منبثا .
أخبريني عما يُحزنك ....ويؤلمك.... بحق مقدساتنا على أرضك ...أن تكفي عن الصمت وتخبريني عن آهاتك .
القدس: إني أُصِبت بمرض حضارتكم التي ما هي حضارة ....ما هي إلا زمن السقوط...ألبستموني ثوباً لا يليق بي ... خَلعتم عني ثيابي القديمة ...إستبدلتم أشجاري وورودي ببنيانٍ حديث ..... جَعلتم مني الأنفاق.... ضَيقتم ثيابي ....وسعتم معابر لحافلاتكم ...أنا يا ابنتي .....لستُ بفنانة استعراضية.... لا أحب الملابس الضيقة ....إن ثيابي ....الثوب المطرز الفضفاض ... غِطاءً رأسي قطعة قماش ...حريرة تَلفْ أكتافي صيفاً شتاءً..... تَركتمْ خُبزَ طابوني..... وأَبدلتموه بخبز(( هامبورغر)) نَسيتم طَعم زعتري الأخضر بقطع من(( النقانق والشنيتسل))..... لمْ أعد أسمع صوتَ فيروز وهو يناديني في أزقتي.... لمْ أعد أسمع صوت رمضان يناديني بعيون الأطفال ..... إنَ أزقتي يتيمة في الأعياد المباركة .... أرهقتني الوحدة بعد الساعة السادسة مساءً ..... تَركتموني وحيدة.... وأَحيَيّتُمْ شوارع يافا وتل أبيب ..... أصبحتُ بعيونكم عجوزاً بلهاء.... سَئِمتمْ من شيخوختي .... إني أحمل لكم في شيخوختي هذه..... تاريخاً أحتضن فيه أحلامكم ....وأحلام أجدادكم..... وصلاح الدين ..... بالله عليكِ يا ابنتي أعطني منديلك هذا الأنثوي ....كي أمسح دموعي لأكمل لكِ تَنهداتي .... تَتَعللونَ من الإنتماء لتربتي ....فأنا صَنعتها من أحاسيسي.... وسيوف الأبطال ..... فلا تجعلوني عبرةً مرتين .... مِنْ جبهتي ينشق طريق العوده للاجئين وتحرير المعتقلين .... إنهم يبكون ليدوسوا على تُربتي ويرتموا بأحضاني ... وأنتم وضعتوني في ملجاء للعجزة .... ألا تخافونَ من غضبي عليكم ... إن محمداً صلى الله عليه وسلم أوصاكم بالأم .... وتسأليني يا ابنتي لِمَ أنا حزينة ؟
أين جنود صلاح الدين واتباعه.... أينَ نساء فلسطين بسلال التين والخوخ ؟
أينَ صوتْ الكشافة وهو يعبر مسامات أحجاري ....ويُطرب بندءاته.... لأركض وأحضُنَهم بأضلعي .... لم أعد أرى عيونكم تنظر لي بالعودة .... أصبحت آخر أمالِكُم ....أسفه لأقول وأعترف دَفنتموني وأنا حية .....
أنا لا أحتاج لرعاية الحضارات.... فأنا كل الحضارة ...أريد الفأس والمجرفة لتربتي.... أريد لخُضرَتي أن ترتوي بقطراتِ جبهاتكم.... وليس بماءٍ مكرر بأنابيب ...إنَ جبالي وودياني ومغاراتي..... تملأُها الذئاب... ونباح الكلاب ....ملأت قلبي بجماجمكم .....وتلوتُ عليها الفاتحة وباركتها ...لم تعد تُزهر نفسي في الربيع.... ولا ثماري يَملؤها الصيف بالطيب ...لم يأتِ الخريف... لأضع لكم حطبي على جانب الطريق..... فأنتم لَستمْ بحاجة لحطبي ليدفىء قلوبِكم.... إستبدلتموه بحضارة (السولار)
كانت أشجاري بالأمس متينة بترا بُطُكم في مقاعدكم السرية.... عَبرَ مغاراتي وحافظتُ عليكم بأضلعي.... رأيتُ الحزن والأسى في أفواه الماره بقربي ... ناديتهم لم يسمعوا ندائي ...أحلامكم في أحشاء أرضي.... سنابلكم تُزرع على جبهتي ...أنا لستُ بشجرة مسنه.... لِتقطعوها..... لم تركضون وراء الأقمار الصناعية ....لتبحثوا فيها عن كلِ جديد ....إعلموا بأنَ صورة القمر يا ابنتي في باطني.... فيها خارطة لكل سفينة وقبطانها ... إنَ الحياة يا ابنتي بتاريخها وخفاياها ....... إنَ الجوهر في النفوس ....وليسَ في الأشكال الهندسية.... والمراكب الجميلة ....والشوارع العريضة...
أينَ خيولي وجِمالي ؟
أينَ خيامي وجو اعدي ؟
يا ابنتي أخبريهم وحشتني خُطواتهم الخفية على أرضي ليلاً ...وحشتني تجَمُعاتِهم ...لِيهموا بعودتي.....
صَرختم لأجلي.... وحاربتم لغيري ... تَستبدلون مسيرتكم لأرضي ....وأسواري.... وجبالي.... وتاريخي..... بحاجز إسمنتي ؟
إنكم تٌُضَيقون علي جُدرانَ عُزلتي عنكم ... أليسَ نَدبي ونواحي تَستحقْ العودة ... إخلعوا ثياب الموت عن أجسادكم.... وارتدوا جلود الحية...... لِتَغزوا مغاراتي ليلاً ...وفي النهار ارتدوا جلود النمر ....لِتتمردوا على محاصرتي المستبدة..... وفي المساء..... ارتدوا ثوبَ الدب.... لأَسمع صوتَ أقدامكم ....كجيوش تُنقذ أحلامي وغربتي ورحيلي يا أبنائي ...لا أريد نعشاً مليئاً بالورود.... أُريد نعشاً من السيوف ... أسمعوني صوتَ فيروز صباحاً ومساءً ... إنَ الأوغاد تشُدني من يدي اليمنى.... ولا أجد من يشدني من يدي اليسرى... رَبطُ بها بجنازير في بوابة الرحمه داخل السور ...حتى أنتظر عودتُكم ...إنَ قيدي بباب الرحمة بدلاً من أيديكم ...أخبريهم .... لقد جَمعتُ لهم التاريخ دهراً وتركوا أجدادهم بأحضاني ....وتمسكوا بسلامٍ لجدار مسمم بدماء أولادهم ...لا تختَفوا وراءَ المرئيات والحضارات والله ما هي بحضارات ...إنَ الطيور المهاجرة تهبط على أسطحي.... لِتحصل على حق العوده ... إنَ الطيور سَبقتكم بالعودة.... فماذا تنتظرون... إجعلوا في عيونكم صورتي.... فأنا التكوين.... وأنا الحرية.... وأنا الأرض الأمينه ...حَفظتُ لكم دماءكم.... وأبطالكم ....وذكرياتكم.... وآهاتكم .
فلا تنسوا اما أحرقتها شمس الظهيرة بين محطات السجون ...أوصليني بعتمة الليل لأراكم في عيون النهار نسوراً... وفي نجوم الليل أسوداً.... وفي فجر الصباح طيوراً.... مسحتُ دموعي عن وجنتي.... وضعتُ رسالةً صغيره على غصن شجرة.... في جبل القدس وكتبت فيها.... لولاكِ يا قدسي.... ما عَلِمتُ معنى الإخلاص.... يا حياتي.... بِهواكِ أحيا ....على أرضك أرقى وأعلو.... في أحضانِ تُربتك أحنُ في الرجوع لأُميَّ التراب.... أُحبك... أفخر بتاريخك ....لنْ اعشق حضاراتٍ رُسمت ْعلى بساتينك.... سأبقى أراكِ في ثوبك المطرز... شالك الأبيض ... فاطلبي من الله أنْ أموتْ وأُدفن في ترابك المقدس .
الصليب
سأروي لكم عن شيءٍ من خفايا نفسي ....وأسفه لصراحتي في هذا .
قصةُ متكررة دائماً مع الصليب ... منذُ طُفولتي ....وأنا كثيراً ما كنت أقوم بزيارات لبعض اصدقاء أُمي من النصارى ...وسأعترف بقليل من قصة أمي ...بأنَ جدتي الحقيقيه من النصارى ...وجدي والده مسلم....ولم تعرف أمي بهذه الحقيقه باكراً بلْ بعد خمسة وأربعون عاماً من عمرها...
خلال الأماكن والكنائس أو الحوانيت أو الأشخاص أو زياراتي لبعض الناس النصارى...حينَ تقع عيني على الصليب لا أعرف ما السبب الذي يصيبني في نفسي لفعل ما أفعله... أنظر بأمعان إلىالصليب ... وأشعر بأني مسرورة جداً بالنظر إليه.... والشيء الغريب إني أقول في رسم الصليب بالطول أقول أشهد أن لا اله الا الله....وفي العرض أقول وأشهد أن محمد رسول الله..
على شكل الصليب ولا أدري لماذا؟
هذا الشيء يراودني دائماً والأغرب من هذا.... في جميع الحالات المرضيه حين أشعر بألم في مكانٍ ما بجسدي ....أبدأ بالنظر للمكان الذي يؤلمني... وفي إصبعي الشاهد أرسم الصليب... وأقول أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله... ثلاث مرات ...وأرسمه ثلاث مرات.... ولم أعد أشعر بألم في جسدي ...حتى إني استخدمتُ هذه الطريقه مع أُمي في الماضي وكانت تبتسم وتسألني لماذا تفعلي هكذا؟
أرد عليها والله لا أعلم فقط يراودني هذا الرسم دائما كل ما تقع عيني بالنظر على صليب ...و حتى إبني ومع بعض الأصدقاء ....حينَ يشكون بألم في الرأس ...فأقول لهم: أغمضوا عيونكم وأبداء بالرسم والقول دون أن يعلموا بهذا السر حتى لا يستخفوا بي أو بسيدنا محمد أو سيدنا يوسف ... عشت طويلاً أعشق قصص الانبياء إني أُحبهم جميعا من كل قلبي وأحترم صبرهم ...فكل رسول جاهدَ في حياته لو خلقت بزمن أي نبي من الانبياء لتبعتُه ...إنَ الله إختارهم لنا.
وجميعهم يتساءلون بالله عليك ِماذا فعلت ليختفي هذا الألم بسرعة؟
لم أجرؤ على بوح السر لا أنكر أني مرات عديدة ذهبت لزيارة الكنائس ...وأضأت الشموع ....ونظرت للصليب ....وفكرت بسيدنا عيسى ...وأحببته... لا أعرف لماذا كنت أتردد على الكنائس؟
وفي عام1999 في شهر شباط الساعة الحادية عشر صباحاً.
في منزلي الشمس ساطعة ....بدأت بتنظيف المنزل.... وأخذت حماماً ساخناً.... وصليت ركعتين... سنه صلاة الضحى ....كنت بأجازة من العمل... وتلوت قليلاً من ايات القرآن....
الوقت باكر... ليسَ لدي ما أفعله الشمس جميله.... تعبر من نافذتي.... خيوطها على سريري ...أصابني النعاس... استسلمت للنوم ...رأيتُ نفسي في غرفة قديمة جداً... الغرفه فارغة... فيها فقط سرير قديم.... إنه من حجارة.... وخزانة قديمة طويله جداً.... أيضاً من حجارة قديمة... وجاءت سيدة جميلة جداً... نحيفة... شعرها بني فاتح طويل جداً.... عيونها باللون العسلي الفاتح ...ترتدي ثوباً باللون البيج أو بالأحرى السكري.... أيقظتني من نومي ...من ذاكَ السرير... وسألتها بعدما تأملتها جيداً من أنتِ يا سيدتي ؟
قالت : اسمي مريم .
لم أعلم أو يخطر ببالي من تكون مريم ...حَسبته إسماً وحسب ...واستدارت إلى الخزانة الطويلة الحجرية.... وأخرجت منها صليباً... أيضاً من الحجارة ...لكن الحجارة البيضاء ....وقَدَمته لي ...أخذته ونظرت له... ودهشت بأن هذا الصليب ...محفور عليه بالكتابة كما أفعل أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
نظرت لها وتَبسمتْ في نفسي أشعر بالفرح لأني أفعل هذا دائما ...وشكرتها بكل امتنان...
ابتسمت بوجهي ووضعتْ على جسدي غطاء لأعود للنوم و رحلتْ.
لم أعدأشعر بالنعاس لشدة فرحتي بهذه الهدية أمسكت الغطاء لأُبعده عن جسدي ...فوجئت بأن الغطاء ليس بغطاء عادي إنه من أوراق الشجر باللون الأخضر...استيقظتُ من قيلولتي.... ولم يطل نومي سوى عشر دقائق أو أقل ...والله شعرت براحة وطُمأنينة في نفسي لم يسبق لي أن شعرتها من قبل ... وعدتُ للوضوء من جديد ...وأنا أنتظر موعد أذان الظهر ...وقرأت سورة مريم وملأت دموعي كتاب الله .
مع تحيات الكاتبة
خالدة غوشة
فلسطين القدس الشريف
من سلسلة خفايا الحياة الجزء الاول تم نشره